أحمد بن يحيى العمري
296
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
بسبب تلك العجوز بالشتنا « 1 » بهؤلاء القوم ، وهؤلاء لهم واحد وقح ما يرتد ، جرت بيننا وبينه حروب حتى رحّلناهم إلى اللعنة ! . ولحقنا هذا الجرح في سبيل الله ، فحشت جرحه وهو يشخب دما ، وأنا أراه بعيني لا يخبرني بذلك مخبر . ومنهم : 77 - إبراهيم الصّبّاح مشكاة أنوار ، وروضة صلاح ، لا تخفى لها أنوار . انقطع بدمشق بالجامع الأموي مربيا لجماعته ، وعونا على ما يخلو به المتعبد فيه من طاعته ، وكان بالمأذنة الشرقية مشرقا لشموسها ، ومحليا لها حلية عروسها ، وكان رجلا منجمعا عن الناس ، مستوحشا كأنه النمر أو الأسد . وكان كثير الصلاة والذكر ، مواصلا لقيام الليل ، وصيام النهار ، ولا يقبل على أحد ، ولا يختلط بأحد ، يمشي في الجامع وكأنما يمشي على حذر ، وكان لا يقبل لأحد شيئا فيما أعلم إلا صاحبنا بدر الدين بن العزازي ، فإنه كان يبعث إليه من الطعام في كل يوم ، ومن اللباس في كل سنة ، بقدر حاجته ، وكان يقبل ذلك منه ، وحج معه ، وكان عديله في المحمل . حكى لنا ابن العزازي عنه قال : كنت لا أراه إلا كالسكران الطافح ، وكنت لا أجسر على كلامه ، وكان لا يسألني عن شيء من أحوال الناس ولا الطريق ولا المنازل ، ولا غير ذلك . وكان يكثر من قوله : " يا دائم المعروف الذي لا ينقطع أبدا ، ولا يحصى عددا ، يا الله " . وآخر أمره أنه استدفأ بمجمرة فاحترق رحمه الله تعالى وغفر له ، وذلك في يوم . [ . . . . . . ] ورثاه الأديب جمال الدين ابن نباتة بقوله « 2 » :
--> ( 1 ) أي رمتنا بهم وشغلتنا بأمرهم . ( 2 ) انظر : ديوان ابن نباتة - ص 220 - 221 " ط مطبعة التمدن بعابدين سنة 1905 م " .